Saturday, 28 January 2012

الناصرية ... طيف في الغربة



لا احمل لهذي المدينة في ذاكرتي سوى بضع صور و مشاهد عابرة تاكلت على ارصفة الغربة و مقاهي المنافي, فاخر لقائي بها كان عام 1988 في مناسبة عائلية و لم يدم بقائي سوى أيام معدودات و قبل ذلك لم تكن علاقتي بها بأفضل من اللقاء الاخير. لا تستحضر ذاكرتي الضيقة سوى بيت عمي المرحوم السيد جبار السيد جواد خشان (توفي عام 1999) في حي المنتزه(و لا أعرف ان كان ذلك اسم الحي و لكنه قد ارتبط في مخيلتي عبر السنين) و بعض الجيران كبيت السنيد و الحمداني و عباس طارش و بيت المركزي وكذلك بيت عمتي العلوية نهضة السيد جواد خشان. تنتصب مدينة العاب الناصرية في ذاكرتي فقد كنّا نعشقها أنا و اخي و أبناء و بنات عمومتي. و تمر كطيف عابر ايضا زيارات الى أقربائنا في سديناوية حيث كان تسكن عائلة عمي الاكبر المرحوم السيد مهدي السيد جواد خشان (توفي عام 1986) و كذلك العديد من أبناء عم و الدي. كان ذلك في أوائل الثمانينيات, كنا أطفالا لا نفقه ما يدور حولنا و لم نعبأ كثيرا لماسي الحرب التي أبتلعت أفراح المدينة و أطفأت اعمار أبنائها و أغرقت فراتها بدموع أمهات ثكالى و يتامى منكسرون و حبيبات تقاسمت أخماس الاسلحة و فوهات المدافع أحلامهن الخضراء. تلك الصور أمست زادي في الغربة كلما أردت ان استحضر تلك المدينة التي طالما تعاليت عليها و نأيت بروحي عنها في الصغر. كان ولائي الروحي لبغداد ففيها كان بكائي الاول و أصدقاء الطفولة وليالي الصيف الطويلة على سطح الدار في محلة الداوودي و أحلام المراهقة اللا منتهية و الحب ألاول و الامال الكبيرة. كنت بغداديا مجحفا بحق مدينتي الجنوبية و مع ذلك كانت تأبى ان تختفي ولم تلبث الا ان تلق بظلالها في احاديث و حكايات عمي التي كنا نأنس بها حتى منتصف الليل في زياراته المتكررة لنا في بغداد. فالناصرية مدينة تعشق الحكايات ففيها سحر تراتيل معابد أور و سومر و عبق الاهوار المتاخمة لحدود المدينة. حتى قبل الخروج من العراق و البدء في رحلة الغربة كانت العين و القلب تصبو نحو الغرب الاوربي. كنت أستمع لموسيقى الروك لا لحسين نعمة و هو يشدو .. غريبة الروح و يا نجمة و لا لأبو كاظم و أبوذياته و فركة مسبحته بين يديه تحكي مأساة تلك المدينة التي شحّت أفراحها منذ و لادتها. كنت أقرأ للسياب و سعدي يوسف و البياتي و بول ايلوار و دستوفسكي و سارترو د.ه. لورنس و لم أتعرف على عبقرية عزيز السيد جاسم و مأساة قيس لفتة مراد و عقيل علي و خالد الأمين و لم أقرأ يوما أشعار كاظم الركابي أو عادل العضاض و الكثير من اعلام الناصرية الكبار. لم يختلف الامر كثيرا بعد ان اخترت الغربة قدرا فالعشق كان لبغداد استحضر رؤاها في محطات السفر المتعاقبة و دام الأمر كذلك حتى عام 2004 و في احدى المكتبات العامة في جنوب لندن استعرت عدة اشرطة تسجيلية تحتوي على لقاءات صوتية مع محاربين انكليز يتحدثون عن تفاصيل حياتهم اثناء الحرب العالمية الثانية. كنت أحضر لامتحان اللغة الانكليزية انذاك و هكذا لقاءات كانت تسهم في سرعة فهمي للّهجات المتعددة في بريطانيا. و من الملفت للانتباه ان المقابلات تم تسجيلها في ستينيات القرن الماضي و اعيد أصدارها بتقنية صوتية حديثة. لم تكن تلك الاقاصيص شيئا مميزا و لكنها بدت كشريط سينمائي لذاكرة لا تأبى ان تخفت لعقود قادمة. في تلك الليلة استحضرت حكايات عمي العصية على النضوب و كم أسفت لأننا لم نحفض منها شيئا و كذلك ذاكرة والدتي المزدحمة بأسماء و حكايات الطفولة عن الناصرية مع أنها غادرتها مع العائلة متوجهة الى بغداد في أوائل الخمسينيات و لم يزل عمرها لا يتجاوز الثانية عشرة.
ازداد شغفي بسبر حكايات تلك المدينة المنسية و بدأت و لو متأخرا رحلة البحث عن هوية مفقودة عبر أحاديث سجلتها لوالديّ حين التقيتهما بعد فراق طويل عام 2008 و كذلك 2011. قررت أن احفظ تراثا بسيطا لولدي عن مدينة أجداده و هو الذي ولد في متاهات صخب مدينة الضباب و روحها المتحجرة بعيدا عن الفرات و شارع الحبوبي و بهو الناصرية و تاريخها الموجع.
شدّني لمدينتي الجنوبية ذلك الغموض الذي يتقمصها, أجدها أحيانا عصية على الفهم, تجمع التناقضات و أحيانا تبدو خارجة عن المألوف في تفسير مسببات الأحداث التي عصفت بها. فولادتها كانت بدواعي الانتقام من عشائر المنتفق التي لم تخضع للسلطان العثماني و قد اوعز الوالي مدحت باشا ببناءها و بدهاء فكر بأختيار المكان فكانت بمستوى أوطأ من الفرات و على تخوم بحيرة ابو جداحة حتى يتسنى للسلطات اغراق المدينة في مواجهة أي عصيان يقدم عليه اأبناءها و قد سميت بأسم الشيخ ناصر السعدون و كانت خطوة أذكى لدق اسفين بين زعامات ال السعدون و بذلك يتم كسر شوكتهم. لم تمر محافظة عراقية اخرى بمخاض و لادة عسيرة كما حدث للناصرية الفتية قبل مئة و اثنين و أربعين عاما. عمرها قصير بمقاسات مدن العراق الاخرى و ليس ذلك مبعث للعجب و لكن ما يلفت الانتباه انها تأتي بالمرتبة الرابعة من حيث التعداد السكاني بعد مدن العراق الثلاث الكبرى بغداد و البصرة و الموصل و تاريخ كل منها يمتد الى أبعد من عشرة قرون. كان الاحرى بمدن أخرى في وسط و جنوب العراق أن تحظى بعدد أكبر من السكان كالنجف مثالا تنشّد انظار الزائرين وقلوبهم لقبّة ضريح أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب و قبلة لطلبة العلوم الدينية في حوزتها العلمية, ولكن ما هي عوامل الجذب للناصرية؟ لم تشهد يوما رخاء أقتصاديا يجعلها وجهة للمهاجرين من أجزاء العراق الأخرى فالفقر و الحرمان و الأقصاء و حقد السلطة المركزية في بغداد على أبناءها تقاسموها عبر العقود المتعاقبة. مدينة يرحل عنها ابناؤها و يستوطنها القادمين اليها من مدن أخرى. مدينة يشّقها الفرات الابدي نصفين لكنها لا ترتو منه بل من نهر الغرّاف المتفرع عن دجلة. و الأغرب من ذلك بصماتها على الفكر السياسي في عراق القرن العشرين و كونها مهدا لحركات تجديدية في الشعر و الادب و الفن العراقي منذ خمسينيات القرن المنصرم الى أواخر الثمانينيات. ألا يكفي ذلك ليجعلها عصية على الفهم. و لعل ما نعتت به مدينة الناصرية من صفات للحط من مكانة اهلها فاق ما نالت منه أية مدينة عراقية اخرى. و انا شخصيا اعتقد أن من اراد يعرف شيئا عن هذه المدينة أو اهلها عليه أن يقرأ هذه الصفات فهي تجانب الحقيقة الى حد كبير و اجدهاعلى العكس مدعاة فخر و أعتزاز و ان دلّت على شيء فأنما على عقد النقص التي تملّكت من و صل الى السلطة في العراق تجاه الناصرية منذ ان أبصرت النور الأول.
يذكر ابن المدينة الكاتب أحمد الناصري بأن الناصرية ستبقى تفخر بشيناتها (بكسر الشين) الثلاثة: شيعية, شروكية, شيوعية و قد أضيفت لها شين رابعة ألا و هي الشجرة الخبيثة و أنا ازيدها بخامسة فهي شاعرة شعبية.
فهي شيعية تعشق الحسين و ترتبته و أشتقت من مأساة كربلا هوية للحزن الذي لفّها عبر الزمن و من مفارقات هذي المدينة أن افراد عشائر المنتفق الذين أستوطنوا أراضيها كانوا يدينون بالتشيع أما شيوخهم من ال السعدون فهم على المذهب السني. و لم يكتف أبناء الناصرية بالزيارة الى المراقد في كربلاء و النجف و أنما وجدوا فيها (أو أوجدوا) مزارات لأبناء الائمة و فيها نجد قبر عمر الأشرف ابن علي بن الحسين ابن علي ابن ابي طالب يقصده الزوار لطلب الشفاعة و تقديم النذور. و هناك مزار يقال أنه للأمام علي بن ابي طالب و قد عسكر فيه مع الجند عندما خرج الى الشام لمواجهة جيش معاوية و في ذلك المكان يقال انه تلقى نبأ خروج طلحة و الزبير عليه في البصرة فمكث في الناصرية خمسة عشر يوما بأنتظار جيش الكوفة ليتوجه الى البصرة و يقال ان مكان اللقاء كان في منطقة (منصور يا ابو الحسن) كما تعرف اليوم(تحتفظ الذاكرة الجمعية للناصرية بقصة هذا الاسم و تقول أن يوما من الايام كان القائم على خدمة هذا المزار نائما في الليل و أتى علي ابن ابي طالب في المنام راكبا على فرس فعثرت الفرس فسقط الأمام من على ظهرها فنطقت الأرض تحت قدمية ..منصور يا أبا الحسن و هكذا جاءت التسمية) . و الناصرية شروكية بكل ما تحمل الكلمة من معنى, شروكية بقدم الشمس التي أشرقت على معابد أور و سومر. ففي الشرق كان النور ألاول و سحر الكلمة الاولى و الحضارات التي أفاضت على الدنيا و مهد الحكمة و الأديان السماوية و ليست كحضارات الغرب فهي متسامحة مع الاخر و ان أختلف و هذا ما كان عليه حال الناصرية من تعايش سلمي عاشت في ظله مكوناتها ذات العرقيات و الأديان والمذاهب المختلفة. فعائلات مسيحية كبيت طوبية و معمل الثلج الشهير التابع لهم و بيت يوسف الصيدلي و لويس باكوس و بيت أسطة داوود (شقيق فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي) لم يعاملوا كأقلية بين أبناء البلدة و كذلك كان حال سكانها اليهود و من أبرز اعلامهم حاييم الصراف ( وولديه أنور و فؤاد و كانا من نشطاء الحزب الشيوعي في الناصرية و كذلك ابنته البرتين ) و خضوري بلبول و نسيبه عزرا و يعقوب القندرجي و شالوم العطار و يوشع المكوجي و حسقيل افندي مأمور بريد الناصرية و سحيمون ابو موشي تاجر اليشماغات و خضوري الساعاتي و موسى الكردي تاجر الاقمشة و مير أبو صبيح تاجر المشروبات و المعلم سلمان منشي. و ذكرت لي والدتي ان في دربونتهم كانت تسكن عائلة ام خضوري و هي سيدة يهودية كانت تبيع الاقمشة. لا ننسى كذلك محلة الصابئة المندائيين و زعيم الطائفة الشيخ دخيّل ال عيدان و عائلة صبري ال بدن و سبتي ال سهر و مسلم ال ضمد و عزوز السهيلي أضافة لاعلام المدينة شيعة و سنّة و كذلك من الشخصيات الكردية الشاعر عبد القادر رشيد الناصري و الذي ولد لابوين كرديين نزحا من السليمانية و قد ولد في الناصرية و نشأ في بيئتها و أكتبست عائلته لقب المدينة. هكذا أكتسبت هذه المدينة طابع التعايش الانساني في أعوام قليلة منذ نشأتها الحديثة اذا ما قورنت بحواضر العراق الكبرى كبغداد و البصرة و الموصل.
و ان كانت محافظات الجنوب الاخرى تتقاسم الصفتين الشيعية و الشروكية فالناصرية تقف بفخر لتعلن بأنها شيوعية أو على الاقل يسارية المذهب. و يقال أن الشيوعية دخلت اليها عن طريق الشيوعي الاممي بيتر فاسيلي (و الذي عرف في الناصرية بأسم بطرس ابو ناصر) مندوب الكومنترن و هو أشوري من جمهورية جورجيا من أصل عراقي. لا تترك الرواية للحدث أن يكون عابرا فما ينقل يقرب الى النبوءة و المشيئة الالهية في أختيار الزمان و المكان و لا يترك للصدفة. يقال أن بطرس كان متجها الى المحمرة بالقطار من بغداد مع زوجته و التي كانت في شهرها التاسع من الحمل لاستلام وظيفته هناك و ما حدث أن باهتت أعراض الطلق الزوجة و قد ولد لهم أبن عندما توقف القطار في محطة الناصرية. سأل عن أسم المدينة فقيل له أنها الناصرية فأطلق أسم ناصر على المولود الجديد. ترك عائلته هناك و أستكمل رحلته الى المحمرة ليعود الى الناصرية بعد عدة أعوام وليعمل (خياطا) و كان محله يقع في محلة السوك بجوار محل أحمد النواس و مقابل دكان عبدالحسن علوان الحلآق. و ما لبث أن ترك الناصرية بعد سنتين و قد سلّم محله الى فليح الخياط والد الشاعر حسن الخياط. كان بطرس ابو ناصر معروفا بطيبته و نال أحترام و محبة أهل الناصرية لكن الرواية تأبى أن تنتهي هنا. يقول الراوي أن لقاؤه بيوسف سلمان يوسف (فهد- أعدم عام 1949) عام 1927 كان البشارة الأولى للحركة الشيوعية في العراق ت
.و فهد أبن الناصرية بالتبني أتى اليها أول مرّة عام 1919 ليساعد أخاه داوود سلمان يوسف (الموظف في دائرة كهرباء الناصرية فيما بعد و الشهير بأسطة داوود) بأدارة معمل الثلج. في ذلك المعمل (و الذي لا أعلم أن كان نفسه المعمل العائد لبيت طوبية) كانت نواة الخلية الشيوعية الاولى في العراق و من أعضاءها حميد دبّه و حميد كسار و مهدي هاشم و أسطه داوود سلمان و ضاحي فجر(و الشهير بضاحي الكببجي حيث كان يملك مطعم في شارع السوك بالقرب من جامع الحاج طالب) و الدكتور كاظم السعيدي. و في عام 1932 وزع فهد المنشور الشيوعي الاول في الناصرية و قد أبتاع الورق الاحمر من شالوم العطار. و من الطرائف ان أسطة داوود عندما كان مسؤول محطة الكهرباء في الناصرية كان يغلق مفتاح الكهرباء بيده لتقطع عن المدينة يأسرها في الليالي التي يتفق على توزيع المنشورات ويعيدها الى المدينة بعد الانتهاء من المهمة. و من الطرائف التي حدثني بها و الديّ انه في عام 1948 و عقب اندلاع المظاهرات في كافة انحاء العراق و منها الناصرية بعد توقيع الحكومة العراقية على معاهدة بورتسموث , كان الحزب الشيوعي المنظم لهذه المظاهرات و قد كان عمي المرحوم السيد جبار السيد جواد خشان عضوا في الحزب الشيوعي و تربطه علاقة صداقة مع سليم داود يوسف و والده الاسطة داوود (حيث كان يعمل عمي في دائرة الكهرباء انذاك) و قد أسر مع العديد من المتظاهرين و أن عمتي كانت تبكي بشدة خوفا مما سيحدث له, و عندما كان الاهل يحاولون ان يهدؤا من روعها كانت تبكي و تقول "شلون ما أخاف و هو و سليم اخذوهم بكلبجة وحدة" ( في أِشارة الى ان سليم و بحكم ان عمه هو الرفيق فهد فمن المؤكد انه سيواجه عقوبة شديدة و بما ان عمي قد أخذ بكلبجة واحدة مع سليم فأنه سيواجه نفس المصير)و لكن انتهى الامر بالافراج عن عمي بكفالة في تلك الاحداث و فصل من عملع و لم يعد اليه الا بعد ثورة 14 تموز. و من الشخصيات النسائية البارزة في الحزب الشيوعي في الناصرية كانت مادلين مير زوجة الشيوعي المخضرم بهاء الدين نوري و هي تقود المظاهرات المناهضة للحركة الصهيونية. وقد سبق انتشار الحركة الشيوعية أتجاه و طني متمثل بجماعة الاهالي و التي تحولت الى الحزب الوطني الديمقراطي فيما بعد بقيادة كامل الجادرجي و كانت مكتبة الحاج جبر غفوري هي المقر لاجتماعات أعضاء الحركة في الناصرية و منهم عبد الحسن علوان الحلاق و سيد رشيد سيد محيي و جبر غفوري و اخرين. و في الناصرية و في عام 1954 تحديدا انعقد المؤتمر التأسيسي الأول لحركة السلم و التضامن و كان من أعضاء أول هيئة رئاسية لمجلس السلم و التضامن العقيد الركن عطشان ضيّول الأزيرجاوي و الذي أستشهد في أنقلاب شباط 1963 (و حدثتني والدتي أن الشهيد الأزيرجاوي قد حارب لنصرة حركات التحرر في شرق اسيا في كوريا و الفيتنام على الأغلب و الله أعلم). و بالرغم من أن قيادات الجناح المدني لحزب البعث العربي الاشتراكي أتت من الناصرية ( فؤاد الركابي و حازم جواد) الا ان المدينة لم تفرز قواعد بعثية أو قومية و في هذا الصدد روي لي السيد الوالد حكاية لا تخلو من الظرافة و انه في عام 1958 أو 1959 و في الاشهر الاولى بعد نجاح ثورة تموز, كان عبد السلام عارف يطوف المدن العراقية مبشرا لفكرة القومية العربية و داعما للاندماج في الجمهورية العربية المتحدة بين مصر و سوريا و انه عند مجيئه الى الناصرية كان يصحبه (او في استقباله)فؤاد الركابي و كان وزيرا في الوزارة الاولى بعد الثورة و قد رحب بعارف و قال له (مرحبا بك في مدينة البعث)و حالما بدأ عارف خطابه المدجج بفكره القومي كانت تقاطعه هتافات الجماهير مرددة.. أتحاد فيدرالي صداقة سوفيتية ... عدة مرات مما أشعل غضب عبد السلام الذي كان ينظر بين الحينة و الاخرى الى فؤاد الركابي الذي بدا مرتبكا جدا حتى يقال انه قال له في النهاية "هي هاي مدينة البعث مالتك لو هاي موسكو"*. يستمر تاريخ الحركة الشيوعية في الناصرية ليتوج بأنتفاضة اهوار الغموكة عام 1969 و بشهادة قائدها خالد احمد زكي.
أما الشين الرابعة و هي الشجرة الخبيثة فهي مدعاة فخر لا سبّة و يقال انها أطلقت لأول مرة عام 1914 من قبل قائد أنكليزي بعد ان جابهت قواته في منطقة اللحيس و هي تقع بين الناصرية و سوق الشيوخ في الجنوب الشرقي من مركز المدينة مقاومة شديدة من قوات العشائر و قد كمن بعض الثوار خلف شجرة سدر كبيرة تحيط بها الاحراش بشكل كثيف في اراضي البو سوف. وقد أعاق هؤلاء الثوار تقدم القوات البريطانية و أصابوا خطوط امداداتهم عبر الفرات بشكل مؤثر مما أغضب القائد البريطاني و أخذ يصيح مكررا ..اقلعوا تلك الشجرة الخبيثة .. عدة مرّات حتى عمّ الوصف المدينة بأكملها و قد نسيت هذه التسمية حتى أعيد أستخدامها من قبل نظام صدام بعد انتفاضة عام 1991 حيث كرر التاريخ نفسه و كانت المدينة شجرة خبيثة بوجه النظام الجائر في بغداد. اما لمحبيها فقد كانت الناصرية "تتلكه الشمس و فيّها للغير"و هناك شهادة جديرة بالذكر عن طيبة أهل الناصرية للشيوعي اليهودي حسقيل قوجمان:
( كان اخي مدير محطة السكك الحديدية في اور. وفي العطلة الصيفية حين كنت طالبا في الثانوية سافرت الى اور كزيارة لاخي ولعائلته. قضيت في هذه الزيارة اسبوعين. وكان انذاك قطار صغير خاص يتنقل بين اور والناصرية عدة مرات في اليوم. فكنت في اكثر الايام اسافر بهذا القطار صباحا الى الناصرية واعود الى اور مساء او في ساعات المساء المتأخرة. في اليوم الاول الذي زرت فيه الناصرية عجبت اذ قابلني احد الرجال في الشارع واستقبلني استقبالا حارا. تبين انه ادرك انني زائر في الناصرية لان اهل المدينة يميز احدهم الاخر. وسرعان ما دعاني هذا الشخص وكان من يهود الناصرية الى نادي الموظفين ثم الى بيته حيث قدموا العشاء المكون من السمك. وجدت صعوبة في اكل السمك الصبور لكثرة عظامه وعجبت كيف يقومون هم باكله بسرعة وبدون صعوبة. تكرر هذا الامر في الايام الاخرى فزرت عدة بيوت عائلات يهودية وحتى دعيت الى عرس يهودي في احد البيوت فعزفت العود وغنيت ولم اكن اعرف من هو العريس ومن هي العروس.
وددت ان انفق بعض النقود في الناصرية لاني لم تتح لي فرصة انفاق اي نقود فيها. كان اليوم هو الجمعة وكان يوم الجمعة يوما خاصا في ارجاء العراق اذ كان حضيري ابو عزيز يغني ظهر يوم الجمعة من الاذاعة العراقية فكان كل العراقيين يسمعون حضيري بهذه المناسبة. ففكرت ان اجلس في مقهى واسمع حضيري وفي الوقت ذاته انفق بعض النقود في المقهى اذ ليس فيها من يعرفني او يدعوني. جلست في المقهى وشربت الشاي واستمعت الى حضيري ابو عزيز. كان الى جانبي جنديان سرعان ما سلما علي. وجاء بائع ما كنا نسميه البادم فاردت ان ادعو الجنديين الى مشاركتي في اكل البادم ولكني فوجئت بان الجنديين يرفضان دعوتي ويقرران ان يدفعا ثمن البادم كله نظرا الى اني ضيف على الناصرية. وحين خرجت من المقهى حاولت ان ادفع الثمن البسيط للجلوس في المقهى وشرب الشاي ولكن صاحب المقهى قال "واصل" ولم يقبل مني اجر الجلوس في المقهى وبذلك لم استطع ان انفق فلسا واحدا خلال اسبوعين قضيت اغلب الايام منها في الناصرية.)
و أما شينها الخامسة فهي لشعرها الشعبي فهو توأم المدينة و لوحها المحفوظ و سفرها (بكسر السين) الشاهد على أحزانها المتوارثة و سجل تأريخها و ذاكرتها الجمعية. من أرضها خرجت الأبوذية الموغلة في تراتيل أور و أريدو و سومر. فهي أرض خصبة و شعراؤها عشاق مكلومون. و في ستينيات و سبعينيات القرن المنصرم شهدت الناصرية ولادة حركة شعرية نقلت القصيدة الشعبية الى مساحات لم تصل اليها من قبل و برز جيل من الشعراء رسموا المشهد الشعري ليس للمدينة فقط بل للعراق بأكمله. و عودة الى أيام الصبا في بغداد و القلب مولع بالحلم ب الغربي و في أوج فترات أستماعي الى الموسيقى الغربية كنت أقرأ بأعجاب عن مهرجان "وودستوك" الغنائي الشهير الأول و الذي أقيم عام 1969 في نيويورك و دام لثلاثة أيام من 15 – 18 أغسطس و الذي الى الان يعتبر علامة فارقة في موسيقى الروك التي اجتاحت العالم في العقود الاربعة الاخيرة. كنت مبهورا و أتبجح بما أملكه من معرفة عن هذا المهرجان. و لكني و أنا الذي أدعي نسبا الى الناصرية لم اعلم بان في شهر تموز من تلك السنة و بالتحديد في الفترة من 7 -10 تموز أقيم أول مهرجان للشعر الشعبي في العراق و العالم العربي بجهود ثلاثة من شعراء المدينة هم كاظم الركابي, جبار الغزي و عادل العضاض. أقيم بمجهودات بسيطة و من المشاركين كان كاظم السماوي و شاكر السماوي و زامل سعيد فتاح و رياض النعماني و ابو ضاري و مجيد جاسم الخيون و عبد الأمير العضاض و نزار القريشي و فاضل السعيدي و كاظم الرويعي و كثير من الشعراء الاخرين و يعتبرون أعلام الشعر الشعبي في العراق و كذلك شهد المهرجان بروز المطرب حسين نعمة و يقول الملحن كوكب حمزة انه التقى بحسين نعمة في ذلك المهرجان و قد غنى اغنيته الشهيرة ..يا نجمة من كلمات الشاعر كاظم الركابي. تلك الاغنية التي كانت الانطلاقة الاولى لحسين نعمة و احدى العلامات البارزة في تطور الاغنية السبعينية في العراق.
هكذا هي الناصرية تولد بداخلي اليوم فتيّة زاهية أعشق شيناتها الخمسة, أقدم اعتذاري عن تكبري عليها و الوذ بها في ليالي الغربة القاسية أردد ما كتب فيها ابنها البار الشاعر عادل العضاض:
" شالني بهمومي وجزن بيه الصعب
ودموعي مطرني حزن
بين المدن 000 بللور عالخد منصلب
وهتز حنين الديرتي 000 لولايتي
ولكل محب
لوجوه أهلنه
الكاعنه
الشطنه العذب
ومن كثر صفناتي ابوجه كاع الدرب
أمشي وحط ايدي اعله نبضات الكلب
ايدك الكلب
ايدك الكلب
ويرجع يذكرني وتجيني اطيوفهم
وجني أحس اعيوني يمي اتشوفهم
وصحه وفز
وانه اعله حطة ايدي بس دمعي اليصب
دايخ ألوذ ابكتر روح ارويحتي
وهيه رجيجة شوك غربه ارويحتي
وصعبه لون دمعي يصب
صعبه اعله عمري وشيبتي
وصعبه لون ربعي تشوف العبره
خنكت صيحتي
وصرت انه ألوذن بالاسف
خايف تدنك هيبتي
ياعيني التفتيلي وبس ياعي
ن أدري الوطن غالي 000 وحك لو تبجين
لمي ارموشج لجلي وسدي الدمع
وياروحي احجي اويه الكلب خل يقتنع
ويا ضلعي تبقه انت الضلع 000 يا وطني
اعليك انتجي 000 وبيك أنوجع
والغربه غربه ان كصر لو طال الدرب "


* و هناك روايات اخرى عن احداث ذلك اليوم و لكن و ان اختلفت بالتفاصيل فهي تحمل نفس المضمون. في احدى الروايات ان عبد السلام عارف عندما زار الناصرية و بدأخطابه بالثناء على الناصرية و ووصفها بانها مدينة فؤاد الركابي و ناجي طالب (حيث كان ناجي طالب من الضباط الاحرار) يقال ان احد الشيوعيين قاطعه و صاح.. كلا ان الناصرية مدينة الشهيد فهد و رفاقه.
و كذلك اخبرني والدي بأن احدى الهوسات التي كانت تترددها الجموع في استقبال عبدالسلام بالاخص عندما كان يكرر مسألة الوحدة مع الجمهورية العربية كانت... اتحاد فيدرالي و الوحدة جوّه نعالي

المصادر

1. حسن علي خلف: الصابئة و النصارى و اليهود في ديرة المنتفق
http://summereon.net/index.php?option=com_content&view=article&id=6401:2011-10-26-11-14-34&catid=38:2011-08-06-17-56-48&Itemid=112

2. ابراهيم عبدالحسن, من تاريخ الناصرية السياسي: حوار مع الساسي نصيف جاسم السعيدي
http://summereon.net/index.php?option=com_content&view=article&id=6384:----qq-------&catid=38:2011-08-06-17-56-48&Itemid=112

3. الحاج عبدالله ناصر مايع: نفحات من تاريخ حركة السلم و التضامن في ذي قار
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/13nasr.htm

4. عادل العضاض: الشاعر الكبير كاظم الركابي من البداية حتى الرحيل
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=182746#.TwIkZpvtt3k.gmail

5. أحمد الناصري: الناصرية مدينة من غبار أسسها احدهم و ندم
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=19345

6. حسقيل قوجمان: يهود العراق سابقا و حاليا
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=96473

2 comments:

Anonymous said...

This is quite an artice !

I enjoyed reading it very much.
I will try to limit my comment on the craft and architecture of your writing rather than delving into the subject matter . The motif of imigration , asylum , severed roots , indentity crises , the psychological and mental well-being in exile , the detachment from the now-less-bright dreams of youth and the allienation with the western promise , these topics give me a rigours awe and confusion that I find it harder to jump in this ocean of turmoil and dig deeper in these subects or try to chizzle the stone that is sinking me. I fear I might get another bout of depression :- A state of blues that is stubbornly attending my door-step of soul so very unwelcomed.
So , I will keep my comment occupied with the style rather than the subject .

There is a mellow and intimate tone underlying the text which I take as a sign of a growing wisdom. It´s soothing to notice how you evolved from the rather rigid spokesman of the matter of fact towards the warm and personal narrator of what these fact mean to you . The contemplative puls of your writing is now more engaging and more inviting for the reader so that both of you , the reader and you , are now joined in a dreamy lullaby that both of you seem to know the tune of .
The signifacnt shift of syle here is obviously the fruit of hard inner labour in the labyrinth of a tortured soul .

I was very much satisfied to recognize your methodical and systematic use of the historical facts about he town of Nassiriyah and how you knitted your sharp observations about the class struggle , inter-religeous dymanism ,the artistic elements of the place (Nassiriyah) to declare it genius in its own world and calculus.
Your astute sensitivty to the under-ground and secret throb of the social life in Nassiriyah has helped you emerge with a saga-like description of a town that is so peculiar and ultimate and dramatic that its mere existance is heroic and absolute in that it stands alone , self-justified and defiant in a manner that is trans-historical and trans-geographical. Nassiriyah here is reclaimed as YOUR Nassiriyah as if a lost Atlantis refound.

Your mention of factual names of real figures from the town adds fullness to your colours and brings the final picture alive and resolute , brushed from the dust of time .

Here you have gathered ,arranged and loaded your arsenal of data and careful knowledge to introduce yourself ,very convincingly, as a master of his craft.

I urge you sincerely to publish this essay in a (formal) journalistic medium like a magazine. I see no single reason why this peice should be looked down at as amaturish. Infact it has all the reasons allied to hail it as a work of thorough professionalism.

Congratulations !

Ramshakle

Anonymous said...

I must add :-

This essay , while easily a homage and tribute to where you came from :Nassiriyah , but I sense in it the breath of a shivering returning pilgrim taking the long and winding road homewards along the fading passage lines of a fading map treasured in your heart of hearts . A journey to revive a rough diamond and to try, in the oblivion of lost time of exile , to be touched by the holy :- The root .